بسم الله الرحمن الرحيم
الليبرالية الخبيثة من جديد في خدمة الرأسمالي تسويق " الرهن العقاري" الأمريكي الفاشل
السلام عليكم اخوتي ورحمة الله وبركاته ،،
مقدمة : دائماً يسوق عملاء الغرب رجيع مخلفات الغرب ، وبدل أن يسوقوا لنا مصانع وحضارة وتقنية ، لا يسوقون لنا إلا مخلفات الغرب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتي تهوي بفكرهم ومجتمعهم واقتصادهم ، حتى اشتكوا هم أنفسهم ، ولو كنا على منهج الشفافية والمحاسبة الإسلامية لما واصل الفاسدون والمفسدون لما وصلوا إليه ، ولما عُزلوا من المسائلة والقضاء ، ولكنها الليبرالية الخبيثة التي حمت " الرأسمالي" من المسائلة والمحاسبة .. وحطمت المجتمعات الآمنة والأفراد المساكين.
والرهن صحيح أنه موجود في الإسلام .. لكن هل ما يتم الترويج له .. هو الرهن الإسلامي الذي يحمي الحقوق الخمسة لجميع رعاياه ، أم أنه الرهن ( الليبرالي ) الذي يحمى ( الرأسمالي ) ويدهك الفرد الفقير والأسرة المجمتع... ؟!
سوف نرى ذلك عبر هذا البحث المبسط ... أسأل الله أن يوفقني فيه وينفع به .
جاء في كتب الفقه ، الرهن لغة: الثبوت .
واصطلاحًا: توثقة دينٍ بعين ، يمكن استيفاء الدين منها أو من ثمنها.
والرهن جائز بالإجماع كما قال في " الروض " : وهو جائز بالإجماع ، ولا يصح بدون إيجاب وقبول ، أو ما يدل عليهما ، ويعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته ، وكون راهن جائز التصرف ، مالكاً للمرهون أو مأذونا له فيه . أهـ جـ1/ص238 لاحظ قوله : ( مالكاً للمرهون ) .
قال ابن عقيل في " منهج السالكين " : الراهن: دافع الرهن وهو المدين ، والمرتهن: آخذ الرهن، وهو الدائن. أهـ . 1/151
قال القرطبي رحمه الله عند تفسيره لآية ** فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } : فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. أهـ ( ولاحظ أيضاً قوله ** مقبوضة } ) .
ومن الأدلة المشهورة عن عائشة رضي الل عنها قالت « اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً من يهودي طعاماً ورهنه درعه » متفق عليه.. ( ولاحظ أيضاً هاء الضمير تعود على من في " درعه " ، مما يدل على ملكيته للرهن )
قال ابن حجر في " الفتح " : وذكر بن الطلاع في الأقضية النبوية أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن روى بن سعد عن جابر أن أبا بكر قضى عدات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن عليا قضى ديونه ، وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي مرسلا أن أبا بكر افتك الدرع وسلمها لعلي بن أبي طالب . أهـ .
وهناك شروط في المرهون ، والراهن ، والمرتهن .. كلها مبسوطة في كتب الفقه ، والذي يهمنا هنا هي مسألة ( الرهن العقاري ) ، أن ( الرهن غير مملوك للراهن ) وهنا تتغير المسألة برمتها ، فالراهن لم يملك الرهن كي يرهنه . فانتبه لذلك !
لكن كيف حصّله ؟
حصّله بدين ، وهذا الدين لم يملكه الدائن أصلاً ، وهذا الدائن ( البنك ) هو نفسه الآخذ للرهن ..
فالمسألة مسألة تورق غير مملوك للدائن ، ثم صار رهناً بيده ، بل سيتحول لإجارة كما سيمر معنا ..
ففي جلسة واحدة أعطى البنك ديناً لم يملكه ، ثم في نفس الجلسة أخذه من المدين كرهن لم يملكه هو الآخر !!
و كما هو معلوم أن عدم تملك الدائن للمدين لا يصح ( لا تبع ما ليس عندك ) ، فكيف به وهو يرهنه ؟!
عقدين في عقد ، العقد الأول عقد دين بطريقة التورق ، والعقد الثاني عقد رهن، عملية متشابكة استغلالية فيها من تدليس المنحرفين والتلاعب الشيء الكثير ، ناهيك عن محاولة نسب ذلك إلى الإسلام ، مثل أي مسألة محرمة يأتون بها من الغرب بغرض تسويقها ، ثم إذا اصطدموا بالمسلمين _ الغالبية الكاسحة _ اضطروا لأن ينسبوها إلى الإسلام بأي وسيلة كانت ، ومن يخالفهم متنطع ، متشدد ، والحقيقة الواضحة أن هؤلاء المنافقين في الأصل لا يريدون الإسلام ولا يهمهم ، بل اضطروا للتحاكم إليه اضطراراً بسبب الغالبية التي تؤمن به ..
وهذا أول شاهد بأن المسألة خرجت من الرهن الإسلامي إلى الرهن الرأسمالي الربوي ، والشاهد الثاني : أن الدين ينموا مع نماء العين ، فلو ارتفع سعر العقار المرهون فإن ثمنه أو القسط يرتفع ، وهذا محرم كذلك وليس من الإسلام في شيء فهو يهدف للنمو الرأسمالي ،
والشاهد الثالث على أن المسألة رأسمالية لا إسلامية : أنها تصبح ثلاثة عقود في عقد ، بحيث إذا عجز الدائن عن السداد لأي سبب مثل أن يتوقف عن العمل أو تتوقف جهة عمله ، يبيع الدائن هذا الرهن ويعتبر ما دفعه المدين من أقساط ، يُعتبر أجاره ، فصار بذلك ثلاثة عقود في عقد .. فمن يجرؤ على إجازة ذلك إلا من لا يخاف الله ؟!
وهذا التشابك هو الذي كاد أن يهوي بالاقتصاد الغربي .. جاء في موسوعة الوكيبيديا : المشكلة باتت معقدة، فالمواطن محدود الدخل يظن أن المنزل له، وشركات العقارات التي لم تستلم قيمة المنازل كاملةً تظن أن المنازل لها، وفي نفس الوقت تظن البنوك أن المنازل لها بحكم ما أخذه محدودي الدخل من قروض بضمان المنازل، وفي نفس المركب تظن شركات التأمين أن المنازل لها بحكم التزامها بدفع مبالغ السندات للمستثمرين الدوليين وذلك في حال عدم سداد قيمة الرهن للمواطنين محدودي الدخل
ما هو هدفهم ؟!
لابد أن تعلم بأن الهدف الرأسمالي هو الجشع والاستغلال ، وهذه العملية ( الرهن العقاري ) تحقق هذا الهدف ، استغلال حاجة الناس للعقار ، حيث يعتبر السعوديين أقل دول الخليج تملكاً للعقار ، حيث يقدرون بحوالي عشرين بالمائة فقط ، وقد تم الترويج لهذه الإحصائية إعلامياً واجتماعياً بما يلبي الهدف ، كما أن المعروض النقدي في البنوك مرتفع ربما التريليون أو قريباً منه ، فهل هذا هو جزاء المواطنين الذين نصروا وطنهم في الآونة الأخيرة في المواجهات ثم في حرب الجنوب ، فبدل أن ينتفع الناس بهذا المعروض النقدي بشكل شرعي وعادل ، يتم استغلال حاجتهم بهذه الطريقة التي ستؤججهم أكثر ضد الدولة والدين ، خصوصاً إذا وجدوا من المنتسبين للدين من يؤيدهم كما حصل في ( طفرة التورق والأسهم ) !
ـ والقوم لاعبينها صح كما يقولون، فالناس خلال هاتين السنتين سينتهون من القرض الذي ضاع في الأسهم التي لن يدخلونها أبداً بعد اليوم ، فجاءت فكرة ( الرهن العقاري ) فالمسكين المتعافي من القرض البنكي والأسهم يريد أن يضع ماله ( المستقبلي ) في شيء آمن وليس أسهم في الهواء ، فأتوا له بهذه الفكرة أو اللعبة ( الرهن العقاري ) ، ليوهموه بأنه يضع ماله في مكان آمن له ولعائلته ، والواقع أنه ( مستأجر) ومتدين لرهن لم يملكه ، ويعطيهم مقابل ذلك قريباً من نصف راتبه ، ولمدة أطول من مدة التورق البنكي ، حيث سيعطيهم قريباً من نصف راتبه لأكثر من 20 سنة !
وكسبوا من ذلك عدة أمور من أهمها : تدوير المال ، بقاء الشعب مديون ، نماء العقار والصناعات المحلية الأخرى بما يخدم الرأسماليين ، وربما تجد عذراً مثلاً لتجار التجزئة في غلاء الأسعار أن السبب من المصدر أو البلد المنتج أو الجمرك ، لكن ارتفاع العقار في أرض شاسعة ليس له ما يبرره بل إن مدينة مثل العاصمة الرياض بها أراض كثيرة بل مخططات مجمدة وفي وسط البلد !!
كذلك من مكاسبهم وأهدافهم .. صرف أنظار الدولة عن التسلح والتصنيع أو أي انتفاع تنموي بالمعروض النقدي ..
ـ وإنهاك الفرد وإشغاله ولكن لمدة أطول ، فمدة الأسهم كانت بالنسبة لهم ناجحة لكنها قصيرة المدة جداً !
ـ وإشغال المسلمين بالدنيا عن الدين ، فيصبح المسلم مشغولاً بقلبه وذاته في هذه الدنيا الفانية مما يزيد من ضعف الوازع الديني والتعلق بالدنيا ولمدة طويلة ..!
أما الفرد الفقير ( الراهن ) ( الدائن ) ( المستأجر ) فيلحق به تبعات أخرى ستطرأ عليه من أهمها : ـ
سوف يكون هناك انتعاش في البداية ، وقد تطول مدتها لسنتين أو ثلاثة لكن ..
ـ سوف يجد نفسه صحيح يمتلك منزل لكن راتبه قليل جداً ، سُلب منه دون أن يشعر !
ـ سوف يجد نفسه أنه سكن في بيت ( كرتوني ) فهذا العمران الجديد الذي سيروج له في "الرهن العقاري" يبدو مزركشاً من الخارج ، لكنه من الداخل هش ، فالحديد والطوب والصبات والتسليك كلها هشة ، سوف يجد نفسه مضطراً لصيانته وإلا سقط عليه ، ولن يكون معه مال بالطبع ، فسوف يضطر للاستدانة من جديد ..
ـ أيضاً من التبعات أن الاقتصاد غير ثابت ، فإن كنت تعتقد بأن نصف راتبك يكفيك اليوم ، فلا تظن أنه سيكفيك غدا .. كما حصل في " التورق الربوي البنكي " وطفرة الأسهم ، أعطيتهم 40 بالمائة من راتبك على أن الباقي سيكفيك ، لكن في السنتين الأخيرتين ومع غلاء الأسعار اكتشفت العكس.. !
فنصيحتي لك : أن لا تدخل في هذا الرهن العقاري أبدا ولو رأيت الناس في بدايته قد اغتنوا ..
أولاً : من حيث فأقل ما يقال أنه ثلاثة عقود في عقد كما قلت لك آنفاً ، بل هو أربعة على اعتبار أنه يسقط عنك في حالة الموت ، وهذا إن كان في ظاهره الرحمة إلا أنه بهذا الشرط معك يوقع على عقد تأمين على حياتك ..!
ثانياً : أنت ترهن ما لا تملك ، و فالرسول صلى الله عليه وسلم لما رهن درعه ، كان يملك ذلك الدرع ، والدين من الأمور الخطيرة التي حذر الشرع منها ، قال ابن حجر في حديث رهن النبي صلى الله عليه لدرعه : وفيه دليل على أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة " نفس المؤمن معلقة بديَنه حتى يقضي عنه " قيل هذا محله في غير نفس الأنبياء فإنها لا تكون معلقة بدين فهي خصوصية " أهـ.
وثانياً: مدة الدين طويلة .. وأهدافها خبيثة فعليك الحذر .
رابعاً : العقار الذي سوف تحصل عليه مقابل هذه الصفقة الباهظة ( النصف مليون بثمانمائة ) هذا العقار مدته الزمنية لا تعادل مدة القرض !
فلا تدخله ولا تنصح أحداً به ، ربا داخل في أكثر من عقد ، داخل في إجارة بعقدين ، داخل في رهن غير مملوك ، داخلٌ في تأمين على الحياة ، وأنت ربما مت و وزرك مستمر مع استمرار هذه العقود ..
هذا والله من وراء القصد ، و نسأل الله أن يجنب البلاد والعباد كل شر ، وأن يهبها كل خير . منقوول للمناقشة والبحث